قطب الدين الراوندي
315
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
والأرضين وعورضت بها لكانت تلك الأمانة أرجح وأثقل وزنا . و « أبين أن يحملنها » أي ضعفن عن حملها وأشفقن منها ، لان الشفقة ضعف القلب ولذلك صارت كناية عن الخوف . ثم إن هذه الأمانة التي من صفتها أنها أعظم من السماوات ونحوها تقلدها الانسان فلم يحفظها بل حملها وضيعها لظلمه على نفسه وجهله بمبلغ الثواب والعقاب . وله وجه ثالث ، وهو أنه على وجه التقدير إلا أنه أجرى عليه لفظ الواقع لان الواقع أبلغ من المقدر ، أي لو كانت السماوات والأرض والجبال عاقلة ثم عرضت عليها وظائف الدين أصولا وفروعا بما فيها من الوعد والوعيد عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها وشدتها وقوتها ولا متنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها ، وحملها الانسان مع ضعف جسمه ولم يخف الوعيد لظلمه وجهله ( 1 ) . وقد بينا وجها في ذلك ، وهو أن معنى العرض والإباء ليس ما يفهم بظاهر الكلام ، بل المراد تعظيم شأن الأمانة في خطاب الجماد . والعرب تقول : سألت الربع والدار وخاطبت فامتنع عن الجواب ، وانما هو اخبار عن الحال ، عبر عنه بذكر الجواب والسؤال . والقرآن نزل على طرقهم .
--> ( 1 ) في هامش نسختنا : لا يخفى أنه دليل على أن الجمادات لا شعور لها أصلا ، ولا ريب في دلالة كثير من الآيات والاخبار على شعورها ، والخروج من الظاهر بلا دليل قاطع مما لا وجه له . وقال ابن ميثم في شرحه 3 - 468 عند بيان « وعقلن ما جهل من هو » إلخ قيل : ان اللَّه تعالى عند خطابها خلق فيها فهما وعقلا .